جماعة "قصبة الطرش" بدائرة وادي زم: ثروات رخامية بملايين الدراهم.. وتنمية خارج التغطية!
تحقيق استقصائي من إعداد: يوسف الوراق.
جريدة Canal 13 بالعربي.
مفارقة الأرقام والواقع حين تطأ قدماك تراب جماعة "قصبة الطرش" التابعة لمنطقة السماعلة بدائرة وادي زم، يخيل إليك للوهلة الأولى أنك تزور واحدة من أفقر الجماعات القروية بالمملكة؛ مسالك طرقية وعرة ومتهالكة، غياب شبه تام للمرافق العمومية الأساسية، وبنية تحتية لا ترقى للحد الأدنى من العيش الكريم.
لكن خلف هذا الستار من التهميش، تُخفي لغة الأرقام والوثائق حقيقة صادمة: نحن أمام أغنى جماعة ترابية في منطقة السماعلة بأكملها. مفارقة عجيبة تطرح أكثر من علامة استفهام، ويسعى هذا التحقيق لجريدة "Canal 13 بالعربي" إلى تفكيك خيوطها والبحث عن الإجابة اللغز: أين تذهب ملايين "قصبة الطرش"؟
الذهب الأبيض: كريانات الرخام تضخ الملايين
السر وراء هذه الثروة المالية الضخمة التي تتدفق على ميزانية الجماعة لا يرتبط بفلاحة واعدة أو استثمارات سياحية، بل بما تجود به باطن الأرض. تتوفر جماعة قصبة الطرش على "مقالع" (كريانات) استراتيجية لاستخراج أجود أنواع الرخام، وهو الرخام المطلوب بشدة في الأسواق الوطنية والدولية نظراً لجودته العالية.
وحسب مصادر متطابقة ومتابعين للشأن المحلي، فإن هذه الكريانات تدر عائدات مالية ضخمة بملايين الدراهم تدخل سنوياً إلى صندوق الجماعة، سواء عبر الرسوم المفروضة على استغلال المقالع، أو الضرائب المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بحركة شاحنات النقل الثقيل التي لا تتوقف عن نقل "الذهب الأبيض" خارج المنطقة.
واقع مرير: بنية تحتية تحت الصفر
في مقابل هذا الانتعاش المالي غير المسبوق في صندوق الجماعة، يصطدم الزائر والمواطن "الطرشي" بواقع تنموي مرير يمكن رصده في النقاط التالية:
العزلة وغياب المسالك الطرقية: تعاني أغلب دواوير الجماعة من غياب الطرق المعبدة. المسالك الحالية تتحول في فصل الشتاء إلى برك من الأوحال تعزل السكان عن العالم الخارجي، وفي الصيف إلى غبار يتسبب في أمراض تنفسية، والمفارقة أن الشاحنات المحملة بالرخام هي من تساهم في تخريب ما تبقى من هذه المسالك دون صيانة.
غياب المرافق العمومية: تفتقر الجماعة إلى مرافق سوسيو-ثقافية أو رياضية في المستوى تستوعب طاقات الشباب. كما يشكو السكان من ضعف الخدمات الصحية وغياب فضاءات ترفيهية أو أسواق نموذجية تليق بجماعة تصنف كـ"أغنى" جماعة بالمنطقة.
شهادة من قلب المعاناة
يقول أحد الفاعلين الجمعويين بالمنطقة لـ "Canal 13 بالعربي":
"لسنا جماعة فقيرة تبحث عن الدعم المالي من جهة بني ملال-خنيفرة أو من ميزانية الدولة؛ نحن جماعة غنية تسبح فوق ميزانية ضخمة، لكننا نعيش التهميش كأننا في المغرب غير النافع. نرى ثروات أرضنا تُنقل أمام أعيننا يومياً، ولا نرى أثرها على طرقاتنا أو مدارس أطفالنا".
علامات استفهام كبرى: أين تذهب الأموال؟
هذا التباين الصارخ بين الفائض المالي المحقق على الورق، وبؤس الواقع على الأرض، يضع المجلس الجماعي والجهات المدبرة أمام وابل من الأسئلة الحارقة والمشروعة التي ينقلها الإعلامي يوسف الوراق:
أين تُصرف اعتمادات الميزانية؟ إذا كانت عائدات الكريانات تضخ الملايين، فلماذا لا يتم رصد فائض الميزانية لفك العزلة وتعبيد الطرقات؟
غياب الحكامة أم سوء تدبير؟ هل يكمن الخلل في ضعف الرؤية التنموية وغياب المخططات الاستراتيجية لربط الثروة بالتنمية، أم أن هناك "بلوكاج" (عرقلة) لبعض المشاريع الحيوية؟
أين نصيب الساكنة من التنمية المستدامة؟ قانون المقالع يلزم الشركات والمجالس المنتخبة بالمحافظة على البيئة المحيطة وتنمية المنطقة السكنية المجاورة، فلماذا غاب هذا الأثر في قصبة الطرش؟
وهناك مطالب بالمحاسبة
إن الوضع الحالي بجماعة قصبة الطرش بمنطقة السماعلة (وادي زم) لم يعد مقبولاً من طرف الساكنة التي ضاقت ذرعاً بوعود المجالس المتعاقبة. إن ملايين الرخام التي تدخل صندوق الجماعة يجب أن تظهر آثارها في مشاريع ملموسة تعيد الكرامة للمواطن المحلي.
من منبر Canal 13 بالعربي، نضم صوتنا لصوت الشارع المحتدم هناك، ونوجه النداء إلى السلطات الإقليمية والمحلية، وعلى رأسها عامل الإقليم، والمجلس الأعلى للحسابات، لفتح تحقيق دقيق في مالية هذه الجماعة، وتفعيل مبدأ "ربط المسؤولية بالمحاسبة"، لفك لغز الملايين الضائعة وإعادة قطار التنمية إلى سكته الصحيحة في "قصبة الطرش".
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
تعليقات
0