بقلم : هشام النكر
في قلب منطقة سيدي مومن بالدار البيضاء، يختزن "كاريان الرحامنة" تاريخًا اجتماعيًا وإنسانيًا عميقًا، قد لا يعرف تفاصيله كثير من سكان المدينة اليوم، رغم كونه واحدًا من أكبر الأحياء الصفيحية التي عرفتها إفريقيا.
البدايات: من المقالع إلى التجمع السكاني
تعود جذور نشأة كاريان الرحامنة إلى ثلاثينيات القرن الماضي، خلال فترة الحماية الفرنسية على المغرب. في تلك المرحلة، توافد عدد من العمال إلى المنطقة للعمل في المقالع الحجرية المجاورة، فاضطروا إلى بناء مساكن بسيطة وقريبة من مواقع عملهم. ومع مرور الوقت، بدأت هذه المساكن العشوائية تتكاثر، خاصة بعد الاستقلال، حيث تسارعت وتيرة الهجرة القروية نحو الدار البيضاء بحثًا عن فرص الشغل، ليتحول المكان تدريجيًا إلى تجمع سكاني كبير.
أصل التسمية: حكاية الرحامنة
يرتبط اسم "الرحامنة" بأصول أوائل السكان الذين استقروا في الحي. فقد قدمت العديد من العائلات من منطقة الرحامنة، خاصة من نواحي بن جرير وقلعة السراغنة، هربًا من موجات الجفاف التي ضربت مناطقهم آنذاك. ومع الزمن، انضم إليهم مهاجرون من مناطق أخرى كدكالة والشاوية وعبدة، فتشكل نسيج اجتماعي متنوع جمعته ظروف العيش القاسية، وأطلق عليهم لاحقًا اسم "أبناء الكاريان".
بين الماضي والحاضر: نهاية مرحلة وبداية أخرى
لم يكن كاريان الرحامنة مجرد حي من الصفيح، بل كان فضاءً نابضًا بالحياة، يحمل ذاكرة جماعية لسكانه وقصصًا إنسانية لا تُحصى. واليوم، يعيش الحي مرحلة انتقالية مع انطلاق مشاريع إعادة الإيواء، التي تهدف إلى تمكين السكان من سكن لائق وإنهاء ظاهرة الأحياء الصفيحية.
ورغم أن هذا التحول قد يؤدي إلى اختفاء الكاريان من الخريطة العمرانية، إلا أنه سيبقى حاضرًا في الذاكرة الجماعية، كرمز للصمود والبدايات الصعبة، ومنبعًا لقصص صنعت جزءًا من هوية الدار البيضاء.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
تعليقات
0